الشريف الرضي
36
تلخيص البيان في مجازات القرآن
وهذا ابن عباس رضى اللَّه عنه يسأل عن معنى آية أو لفظة من القرآن الكريم فيجيب عن علم غزير تحقيقا لقول النبي فيه : « نعم ترجمان القرآن أنت » . فقد روى أن رجلا جاء ابن عمر يسأله عن معنى قوله تعالى : * ( أَولَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ والأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) * فقال : اذهب إلى ابن عباس ، ثم تعالى أخبرني ! فذهب فسأله فقال : « كانت السماوات رتقا لا تمطر ، وكانت الأرض رتقا لا تنبت ، ففتق هذه بالمطر ، وهذه بالنبات » فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره بجواب ابن عباس . فقال : « قد كنت أقول : ما تعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن . فالآن قد علمت أنه أوتى علما » « 1 » . فتأويل مجازات القرآن وتوضيح أساليبه والكشف عن أسرار البلاغة فيه ، وتحليل استعاراته هو عمل بدأه الشريف الرضى متناولا القرآن كله وفق ترتيب السور في المصحف الذي بين أيدينا ، ومتناولا كل آية فيها مجاز وفق ترتيبها من السورة التي هي فيها . ومن هنا حق لنا أن نقول : إن الشريف الرضى فعل في مجازات القرآن ما فعله الطبري المتوفى سنة 310 في تفسير القرآن ، من حيث وضع التفسير لكل آية من كتاب اللَّه أو جزء من آية مرتبة حسب ترتيب المصحف « 2 » على أننا ننتهز هنا هذه الفرصة لنقول إن « مجازات القرآن » لأبى عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 209 قد أصبح - بعد طبعه الآن - أقدم التفاسير المطبوعة لكتاب اللَّه ، وأنه أسبق من تفسير الطبري بعشرات من السنين . ولسنا نعد « تلخيص البيان » للشريف الرضى تفسيرا للقرآن بالمعنى الكامل الصحيح لكلمة التفسير ، لأنه لم يتناول القرآن الكريم كلمة كلمة كما فعل الطبري
--> ( 1 ) المصدر السابق ص 484 . ( 2 ) قد يقال إن الفراء المتوفى سنة 207 هو أول من فسر كتاب اللَّه آية آية حسب ترتيب المصحف كما يفهم ذلك من نص ساقه ابن النديم في الفهرست ص 66 ، ولكن ذلك ليس قاطعا في القضية .